ابن قتيبة الدينوري

189

عيون الأخبار

وكأنّ عينيه سراجا سليط وهو يحمّس أصحابه إلى أن انتهى إليّ وأنا في كثف ( 1 ) فقال : معشر المسلمين ، إستشعروا الخشية وعنّوا ( 2 ) الأصوات وتجلببوا السكينة وأكملوا اللَّؤم وأخفّوا الخوذ ( 3 ) وقلقلوا السيوف في أغمادها قبل السّلَّة والحظوا الشّزر واطعنوا ( 4 ) النّبر ونافحوا بالظَّبا وصلوا السيوف بالخطا والرماح بالنّبل وامشوا إلى الموت مشيا سجحا . وعليكم بهذا السواد الأعظم والرّواق المطنّب فاضربوا ثبجه ( 5 ) فإن الشيطان راكد في كسره نافج خصييه مفترش ذراعيه قد قدّم للوثبة يدا وأخّر للنّكوص رجلا . ولما ولَّى يزيد بن معاوية سلم بن زياد خراسان قال له : إن أباك كفى أخاه عظيما ، وقد استكفيتك صغيرا فلا تتّكلنّ على عذر مني فقد اتكلت على كفاية منك . وإياك منّي قبل أن أقول إياي منك ، فإنّ الظن إذا أخلف فيك أخلف منك . وأنت في أدنى حظك فاطلب أقصاه ، وقد أتعبك أبوك فلا تريحنّ نفسك ، وكن لنفسك تكن لك ، واذكر في يومك أحاديث غدك ترشد إن شاء اللَّه . قال الأصمعي قالت أم جبغويه ملك طخارستان لنصر بن سيّار الليثي : ينبغي للأمير أن تكون له ستة أشياء : وزير يثق به ويفشي إليه سرّه ، وحصن يلجأ إليه إذا فزع فينجيه - يعني فرسا - وسيف إذا نازل به الأقران لم يخف خونه ، وذخيرة خفيفة المحمل إذا نابته نائبة أخذها ، وامرأة إذا دخل عليها

--> ( 1 ) الكثف : الحشد والجماعة . ( 2 ) عنّوا الأصوات : من التعنية أي الحبس والأسر أي احبسوا أصواتكم ولا ترفعوها . ( 3 ) الخوذ : ج خوذة ، وهي المغفر ، فارسي معرّب . وأخفّوا الخوذ : إجعلوها خفيفة حتى لا تثقلكم في الحرب . ( 4 ) واطعنوا النّبر : أي اطعنوا بسرعة ؛ يقال : طعن نبر : مختلس كأنه ينبر الرمح إي يرفعه بسرعة . ( 5 ) الثّبج : معظم الشيء .